ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الاخرى

مجـلة صـدى النهريــن - العدد العاشر / كانون الأول 2009

                                                                                                                                     

اتصلوا بنا

أرشيف الأخبار

مجلة آفاق مندائية

مجلة صدى النهرين

رئاسة الديوان

من نحن

الرئيسية

 

المنهجية في خدمة الانسان والايمان

الأب نجيب موسى الدومنيكي

 

        تعتبر المنهجية من أقدم الوسائل التي استخدمها الإنسان لتحقيق احتياجاته العملية أو الوصول إلى تطبيق مساعيه الفكرية. هناك مراحل عديدة، متتالية ومترابطة، يتبناها الفرد لتنظم أحداث حياته بشكل منطقي وتتحول أحياناً إلى تقليدي يستخدمه لتنظيم إيقاع الحياة. فإن كل إنسان يلتجئ إلى استخدام منهجية خاصة به في العمل والتعامل، في التعلم والتعليم وفي التفكير والتعبير. وإن كانت المنهجيات متشابهة في بعض جوانبها، فهي تبقى متميزة بخصوصياتها وفريدة بنوعيتها لكل إنسان. فلا يوجد منهجية واحدة ثابتة للجميع، بل منهجيات متباينة ومتميزة بحسب الفرد وطاقاته في فترة زمنية محدودة. فهي تأخذ أشكال متعددة بحسب ما يحتاج إليه الإنسان في الحياة اليومية وما يراوده من أفكار وخواطر تؤجج فيه طاقات إبداعية أو طفرات متميزة.


        تنطلق المنهجية من معطيات فكرية ومخططات عملية تهدف إيصال الفرد إلى الرقي العلمي والعملي لتحقيق ما يصبو إليه في حياته بشكل متميز. تتصف المنهجية بقابليتها التأقلمية، حسب مقتضيات العصر ومتطلبات الإنسان، وكأنها لوحات موزائيكية متباينة تقص للأجيال أحداث الزمان والمكان والإنسان، وتعكس منجزاتها الفكرية والإبداعية من خلال خصوصياتها المبدئية أو الفكرية والروحية.


        يُطلق على المنهجية في اللغة الإغريقية، بـ "الميثودوس
METHODOS"، والتي تعني "المتابعة المتجددة"، وتتكون هذه الكلمة من مقطعين "المسيرة" و"الهدف". تبقى المنهجية مسيرة حيوية وعمل متواتر، للوصول إلى هدف منشود يبتغيه الإنسان. المنهجية مبنية على النظام والحيوية والتجديد. فهي تنطلق من مبادئ ثابتة للتوصل الى أهداف خاصة من خلال المنهجية الناجحة يمكن للفرد ان يصل الى التوافق والهرمونية بين القديم والجديد ، والعيش المشترك الناجح بين الأجداد والأحفاد، من دون تهميش أي منهم على حساب الآخر.ان الطرق تتغير للمغامرين ولمتسلّقي الجبال، بحسب التضاريس الأرضية والتغييرات المناخية. أما المبادئ الأولية والإحتياطية فتبقى أساسية ومتشابهة. إن نظرية "الثابت والمتغير" مهمة لتطوير الإنسان والمجتمع. هناك منهجيتين أساسيتين يمكن للفرد أن يستخدمهما في حياته الفكرية والعملية:
1- المنهجية الإستنتاجية
METHODE DEDUCTIVE: معظم الوسائل التعليمية القديمة كانت مبنية على "الخبرة الفطرية الإستكشافية"، التي تناقلت عبر القرون والأجيال بأسلوب تلقيني، إنطلاقاً من خبرات القدماء واكتشافات المعاصرين، وهذا ما يطلق عليه بالمنهـجية "الإسـتنتاجية" Méthode déductive. هذه النظريـة مبنية على المعطيات المتداولة أو التقليدية المعترف بها في المجتمع ويستنتج منها ما هو مفيد ومدلول للواقع.
إن المنهجية الإستنتاجية الدينية مثلاً، تنطلق من مبدأ الخالق وتتحقق في مبدأ المخلوق.أو تنطلق من المبدأ النظري للوصول إلى الواقع العملي، أو من الماورائيات إلى البعد الملموس. تبدأ هذه المنهجية الإيمانية بطرح هوية الله ودوره في الخلق والكون، ومن ثم ما قام به الله من إبداع عظيم بخلق الإنسان الأول الذي تجرأ بالتنافس مع خالقه وتمرده عليه للوصول إلى ينبوع المعرفة والهيمنة على مصدر الحياة. تبنّت الكنيسة هذه النظرية الإستنتاجية واستخدمتها من خلال التربية المسيحية، لتنقل فحوى الإيمان من الآباء إلى الأحفاد بواسطة الممارسات الدينية. إنها تحمل الصفة المنطقية والجدية والتي تقود إلى نتيجة ايجابية. فإن نتيجة المحبة لا يمكن أن تكون سوى الحياة، وثمن الخطيئة هو الموت، والفداء لا يعطي سوى الخلاص.

        في المنهجية الإستنتاجية يبدو أن البُعد الأخلاقي هو الأكثر وضوحاً من البُعد الإيماني، وإن بقي المضمون الإيماني في عالمه النظري سيطغي علية الرتابة والملل وسيحرمه من الجانب الإبداعي، فإنه يعكس أحياناً بعض المعطيات الإيمانية المتقولبة والمسبوكة في صيغ ثابتة لا يمكن المساس بقدسيتها. إن قوة هذه المنهجية وطاقتها الإيجابية والإستمرارية يرتكزان على ثبات الصيغ اللغوية التي تنقل وتحافظ على المضمون الإيماني بشكل تلقيني أو ماجسترالي، وتؤكدان على المبدأ الهرمي التعليمي والإداري للكنسية. إن الثبات في الصيغ التعبيرية أو الإيمانية، يساعدان الفرد على سهولة التعليم وسلاسة الحفظ، ويضمنان له الإستمرارية. فمن مخاطر هذه المنهجية إنها قد تخلق أحياناً هوّة واسعة بين مضمون الكشف الإلهي وحاجة الإنسان لاستقبال هذا الإيمان والعمل به بأساليب تتماشى مع مقتضيات العصر.


2- المنهجية الإستقرائية
METHODE INDUCTIVE
إن التيارات المنهجية الحديثة يُطلق عليها بـ "الإستقرائية"
Méthode inductive بالخصوص بعد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الذي أعطى مكانة أكبر للفرد وكذلك للتفاعل الحقيقي بين أبناء البشر وقراءة علامات الزمن.
تقترح هذه المنهجية نماذج جديدة لإيصال المحتوى الأيماني بطرق تنطلق من العلوم الحديثة مثل العلوم التربوية، النفسية، الإجتماعية أو الإنتربولوجية. فهي تنطلق من الخاص إلى العام، من المحدود إلى الشمولي، من المادي إلى الروحي. المنهجية الإستقرائية في التعليم المسيحي تقترح أسلوباً جديداً للولوج في العالم الإيماني للكتاب المقدس، عوضاً عن الإنطلاقة من الله والخلقة، تبدأ بطرح وقراءة الأحداث الواقعية، أو القريبة من الواقع المعروف من قبل الفرد، إبتداءً من المعطيات التاريخية المعروفة. مثلاً: يمكن اعتبار حدث خروج الشعب اليهودي من أرض مصر في القرن الثالث عشر قبل المسيح، هو البداية الحقيقية لتأسيس هوية هذا الشعب، اجتماعياً، سياسياً ومن ثم تم قراءتهما في المنظور الإيماني. أصبح موسى في هذا الحدث قائداً حقيقياً منتصراً، يرتقي بشعبه إلى عالم الله، والحرية والإستقرار. فإن حدث الخروج يصبح لهذا الشعب ولادة جديدة، وإن الله خلقه من جديد. هناك طروحات تؤكد أن كتابة قصة الخلقة بشقّيها في سفر التكوين، ليست إلا دلالة على هذه الولادة الرمزية من العدم إلى الوجود. فإن الله يأخذ الدور الأساس في هذه الخلقة من خلال مصطلح "ليكن... فكان"
(تكوين 1:1-2:4) أو "جَبَل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ فيه نسمة الحياة" (تكوين 2:7).على هذه الولادة الرمزية من العدم إلى الوجود. فإن الله يأخذ الدور الأساس في هذه الخلقة من خلال مصطلح "ليكن... فكان" (تكوين 1:1-2:4) أو "جَبَل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ فيه نسمة الحياة" (تكوين 2:7).

        هناك منهجية استقرائية إيمانية أخرى تنطلق من شخصية إبراهيم، كونه المثال الأعلى للطاعة والإيمان، ليعكس على أرض الواقع معنى الخلقة الجديدة وعلاقة الله بالبشرية أو "بشعب الله"، حيث أن الله اختار هذا الشعب بعد أن اختبره في المحن العديدة وأصبح العهد بينهما أبدياً (تكوين 19:1-22).


        من خلال هذين المثالين، نكتشف صورة جديدة لموضوع الخلقة، ومفهوم جديد للخطيئة التي هي تشويه لصورة الله وصورة الإنسان. لاغروّ إن المنهجية الإستقرائية، بحسب اللاهوتيين وعلماء النفس والإجتماع، أكثر قبولاً وتناغماً مع متطلبات الأطفال وطاقاتهم الطبيعية.


        إن المنهجية الإستنتاجية والإستقرائية، متآزرتين ومتكاملتين معاً من حيث الهدف. لا ننسى أن الشكل والمحتوى، أو المنهج والمضمون، لا يكفيان لإيصال الفحوى الإيماني بشكله الصحيح، دون المرور بمقومات أخرى مثل: الأسلوب، الوسيلة، الشخصية، المكان والزمان وغيرها. كلها تلعب دوراً هاماً، سلباً أو إيجاباً، في بناء الشكل وتقديم المحتوى.


        تتميز الكنيسة، كما هو الحال في مجتمعات كثيرة، بوجود مبدعين ومفكرين، مجدّين في بحوثهم من أجل الرقي بالمستوى الإنساني والمسيرة الإيمانية. لولا هذه الطفرات النوعية لما تجدد وجه الكثير من البلدان والشعوب، ولما حافظت الكنيسة على عنفوان شبابها منذ ألفي عام. إن مبدأ "اختبار الجديد والإحتفاظ بالجيد"، هو وسيلة منهجية حيوية، متجهة نحو الغنى والإستحداث.


        لا يمكن استخدام منهجية القراءة والتحليل دون الوصول إلى الإستحداث والتجديد. القديس بولس الرسول اختبر هذه المنهجية ويدعو المؤمنين للإقتداء بها، ويقول:"لا تعيقوا عمل الروح، لا تستهينوا بالنبوءات، بل امتحنوا كل شيء وتمسكوا بالحسن، وتجنبوا كل شر"
(1تسالونيقي 5:19-22). الدراسات الحديثة تؤكد أن نجاح الإنسان في الحياة مبني على أساسين مهمين هما: النظرية التكوينية والتمرنة التفاعلية.


 يتبع في العدد القادم

 


 

الذهاب الى اعلى الصفحة

العودة للصفحة السابقة