الاقليات في العراق (دراسة حقيقة وجودهم وواقعهم السياسي)
د. حنان نوري
21 نيسان, 2026
يذهب بعض الباحثين وعلماء الاجتماع المعاصرين الى تصنيف المجتمعات من حيث تنوعها الديني والمذهبي والقومي والعرقي واللغوي والثقافي الى ثلاثة انماط وهي: -
1- المجتمعات الفسيفسائية غير القابلة للاندماج.
2- المجتمعات النقية عرقياً او دينياً او قومياً.
3- المجتمعات القائمة على التنوع والقابلة للاندماج في الوقت ذاته.
والمجتمعات العربية تتصف بالتنوع الديني والمذهبي والقومي واللغوي والثقافي ولكنها قابلة في الوقت ذاته للاندماج.
هناك رأي يقول ان الاكثرية التي هي تصنع الاقلية أما بمنحها الامتيازات وأما بحرمانها من الحقوق وللمنح والحرمان أثر واحد في النهاية.
فمنح جماعة معينة امتيازات من أي نوع ومن أي درجة من شأنه ان يضاعف عزلة هذه الجماعة عن الجماعات الاخرى ويقوي لديها الشعور بالاختلاف والتمايز. أي من شأنه ان يولد لديها وضدها في الوقت نفسه ثغرة دينية او مذهبية او قومية.
على هذا أشادت معظم قوانين الامم المتحدة الى حقوق خاصة للأقليات مثل:
• الاعلان العالمي لحقوق الانسان
• اتفاقية منع جريمة أبادة الاجناس
• الاتفاقيات الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري واعلان حماية الأقليات الصادرة عن الجمعية العامة في 18/11/ 1999(1)
•
وجاء في ميثاق الحقوق المدنية والسياسية في المادة 27 منه ( في تلك الدول التي تتواجد فيها أقليات عرفية أو دينية او لغوية يجب ألا ينكر على الاشخاص الذين ينتمون الى تلك الاقليات الحق في مجتمع فيه اعضاء وآخرون من مجموعتهم في التمتع بثقافتهم وممارسة طقوسهم الدينية واستخدام لغتهم الخاصة بهم . وعليه عرّفت الاقليات على انها: مجمع من الناس في دولة يشتركون في خاصية مشتركة وتكون عادة أما جنسية او دينية او عرقية او لغوية).
وعِرّفت الموسوعة الاميركية الأقليات: بأنها جماعة لها وضع اجتماعي داخل مجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في نفس المجتمع وتمتلك قدراً من النفوذ والقوة وتمارس عدد اقل من الحقوق مقارنة بالجماعة المسيطرة في المجتمع ... وغالباً ما يحرم المراد على الأقليات من الاستمتاع الكافي بحقوق مواطني الدرجة الاولى.
وبمراجعة تاريخية لحالة حقوق في الدول العربية وخصوصاً العراق تظهر انها متأخرة كثيراً في ميدان حقوق الانسان. والعراق كغيره من بلدان الشرق الاوسط عبارة عن مزيج من مختلف الأعراف والطوائف يعيش فيه العرب والأكراد والتركمان والكلدو آشوريين والأرمن والشبك وغيرهم من المجموعات العرقية أو الدينية.
ان مفهوم المواطنة الكاملة يبقى ناقصاً دون منح الأقليات حقوقها ولعل المشكلة الأساسية التي واجهت الأقليات في العراق هو ذلك الفهم المخطئ لمعنى المواطنة الكاملة الذي يركز على الحق في المساواة وعدم التمييز.
فمعنى الأقلية ومعنى المواطنة ليس بديل عن بعضهما وانما هما عنصران يكمل أحدهما الآخر.
فوجود الأقليات في مجتمع عادل لا يمنع افراد هذه الاقليات من ممارسة حقوقهم ومعتقداتهم وثقافتهم بشكل جماعي او فردي ضمن خصوصية وطنية بغض النظر عن الخصوصيات الاخرى لمكونات المجتمع.
اذاً مفهوم الوطن يبقى أكبر من جميع المنتمين اليه. وعليه فأن حق الاقليات يقوم على تكامل المجتمع لا تفككه.
ان أي دولة إذا أرادت أن تضمن ولاء الأقليات المكونة لنسيجها عليها ان تمنح هذه الأقليات حقوقها المشروعة وفق الدستور ولكن في حالة العراق نجد ان الدساتير العراقية قد تجاهلت الاشارة الى هذه الحقوق.
فالدستور العثماني في 1876م لم يشر الى اي قومية او ملة معينة في حين عمم الدستور القانون الاساسي لعام 1935م نظرته للمساواة بين الافراد حيث نص على: ( لا فرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة ).
ولكن المشكلة الأعظم التي نواجهها هي المعايير الواجب توفرها لكي يعد المواطن عراقياً وليس من رعايا دول اخرى. ولعل من المفيد أن نذكر هنا بأن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم التي لا يعول فيها على البطاقة المدنية للأشخاص كي يمكن اعتبارهم عراقيين وانما هناك وثيقة اخرى يجب توفرها (شهادة الجنسية العراقية) .
فدستور 27 تموز 1958م نص على الحقوق القومية ضمن الوحدة الوطنية وعد الاكراد على سبيل المثال شركاء في الوطن وكذلك الحال مع دستور 16تموز 1970م ورغم ان دستور ما بعد 2003م ينص بالأسماء على ضمان حقوق كل من المسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائية إلا ان هذه الشرائح العراقية الثلاثة اضافة الى التركمان قد لحقهم الحيف والظلم جراء تلاشي الحد الفاصل بين قوة القانون وقانون القوة .