تحت شعار

(( الفساد بين الشريعة والقانون ))

مؤتمر نظمته هيئة النزاهـــة

 

السبت :30-8-2008، نظمت هيئة النزاهة مؤتمرا برعاية الأستاذ الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء وتحت شعار ((الفساد بين الشريعة والقانون)) على قاعة قرطبة في فندق المنصور ميليا، حضره سيادة المطران شليمون وردوني ورؤساء دواوين الأوقاف ومسؤولين عديدين في الدولة ورجال القانون، وقد ألقى رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى كلمة في المؤتمر.

 

 

كلمة السيد رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الاخرى في المؤتمر

النزاهة من المنظور المسيحي

  المسيحية ديانة أتت ضمن المخطط الإلهي للبشرية، وحباها الله بتعاليمَ وآياتٍ كثيرة كي تكون مصدر خير للعالمين، ودرسا يُفيد أتباعها لكي تشع ويشعون نورا وهداية وحكمة للناس أجمعين.

  فكان المسيح له المجد آيةً بولادته وآيةً في حياته كلها، بحيث وبواسطة أناس بسطاء معظمهم من الصيادين، أنشأ الرسالة وثبّتها وانتشرت على نطاق المعمورة كلها بعد ألفي سنة من انطلاقها، وهذا دون شك لم يكن ليحصل لولا الصدق والأمانة والمحبة في التعامل مع الآخرين ونبذ العنف والخيانة والظلم، وأحلال محلها أعمال الرحمة لكي يحصل الإنسان منها على قيمته ويُبدع من خلالها عندما يحمل هذه التعاليم ويطبقها في حياته اليومية.

  والمسيحية ورثت من شريعة موسى وصايا الله العشرة التي تعتبر أطاراً لا بل خارطة طريقٍ لإنسان يوّثق من خلالها علاقته بالخالق من جهة وبينه وبين أخوته البشر الآخرين من جهة أخرى، ومن بين تلك الوصايا: "لا تسرق" (تك 15:20)، الكلمة القاطعة التي على المسيحيون أن لا يمدون اليد مطلقا لما ليس لهم، لأن لا هنا تأتي بالنهي المطلق، والسرقة هي الاستيلاء لما هو ليس لك، والمال العام الذي تسعى هيئة النزاهة للمحافظة عليه لا يعود لشخصٍ بذاته بل هو مُلك جميع العراقيين ومستوجبٌ بموجب هذه الوصية المحافظة عليه وصونه من السلوك السيء لمن تسوّل له نفسه سرقته والإيثار به.

  كما أن السيد المسيح يتكلم بأكثر من هذا عندما يشير إلى أن المقاصد السيئة والقتل والزنى والفحشاء والسرقة وشهادة الزور والشتائم تنبعث من القلب" (متى 19:15)، وكذلك في (مرقس 21:7)، وكلنا نعلم أن الذي يصدر من القلب يتم بإيعازٍ من العقل أي أن الانسان يرتكبه عن سابق قصد وإصرار، وهذه التي ذُكرت كلها من المحرمات والواجب الابتعاد عنها.

  كما أن الرسول بولس يقول: "أتعظ بالامتناع عن السرقة" (رومية 21:2)، كما يطلب من الذي كان يسرق، أن يكفَّ عن السرقة وأن يكدّ ويعمل بيديه وبنزاهة لكي يحصل على ما يقسمه بينه وبين المحتاج" (أفسس 28:4).

  كما ويركز الايمان المسيحي على مبدأ الأمانة، عندما يبكّت الله رجال الدين آنذاك الذين كانوا يسمونهم (الكتبة والفريسيين) المهملون لما هو أهم ما في الشريعة: العدل والرحمة والأمانة ... (متى 23:23) وكذلك إن خان أحدهم الآخر فإنه يخون أمانته نحو الله (روم 3:3) وعندما يتحدث عن المؤمنون الذين لا يختلسون شيئا عندها يُظهرون الأمانة على أحسن وجه، لأن ذلك شأن تعاليم الله مخلصنا (تيطس 10:2)، كما أن الله يُكرم من كان أمينا على القليل ويقيمه أمينا على الكثير ويدخله نعيم سيده (متى 21:25) ومن يكون أمينا فإنه يذكّر الناس بطرق الله كما جاءت في التعاليم السماوية (قور1 17:4).

  فإن مواجهة الشرّ والسراق والخونة يتطلب السهر والحذر كي لا يُنفّذ الشرير فعلته ويستولي على ما ليس له (متى 43:24)، لأن من ينوي على ذلك فإنه يقدم على السرقة والذبح وأهلاك الآخرين كي ينفذ مبتغاه، لكن الرسالات أتت لكي تكون الحياة للناس وتفيض النعمة فيما بينهم.

  وبني الملكوت يعيشون في النور بينما الأشرار يعشعشون في الظلام لأن أفعالهم ستنكشف إذا تم القيام بها في النور، وهؤلاء لا يمكن أن نسميهم سوى أبناء الظلام، كما أن الوصية ليست فقط عن السرقة وحدها بل تتعداها إلى الكف عن الكذب والظلم والزنى واشتهاء مقتنى الغير أي أن حتى مسألة الشهوة ينهي عنها الله (روم 9:13) فالله يمقت الشر ومن يحلف ويشهد زورا (زكريا 17:8). ونجد أيضا أن الله يصف بأني شفتي الشاهد زورا تكون قبيحة عند الرب والعاملون بالصدق ينال رضاه (أمثال 23:12).

  مما سبق يتضح بأن المباديء السماوية بموجب الشريعة المسيحية تدعو إلى صون المال العام والخاص وتُحرّم بشدة كل محاولة تؤدي إلى الاستيلاء على ما ليس من حق الانسان، كما ان الحزم بهذه الأمور مارسه الشعب اليهودي قبل المسيحية عندما كان يُحرق المسيء وكل من له صلة به من أهل بيته وحتى حيوانته وممتلكاته في محاولة رغم قسوتها لاستئصال الشرير وشره والهالة التي تحيط بهما بأكملها، ومن ذلك ومما جاء بهذه الشرائع والتي تخصنا نحن الذين نحمل لوائها ونؤمن بها فإن المسؤولية تقع علينا تاريخيا ودينيا كاملة كي نقوم بالتوعية والارشاد في سبيل تطبيق ما جاء بها وبواسطتها نصون مالنا وعِرضنا ونعيش في ظل نزاهة تامة وبعملنا هذا نُفرحُ الله والانسانية...

                     وشكـــــرا لاصغائكــــــم

 

                                                                               عبدالله النوفلي

                                                             رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الاخرى