ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الاخرى

الآخبـــار

                                                                                                                                                                         

 

اتصلوا بنا

الأرشيف

مجلة صدى النهرين

اخبارنا

رئاسة الديوان

من نحن

الرئيسية

 

 

المشاركة في مؤتمر عن مسيحيي الشرق وحرية الأديان والقانون

 

 

 1-15 تشرين الأول 2009

      شارك رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الاخرى الاستاذ عبدالله النوفلي في مؤتمر عن مسيحيي الشرق وحرية الأديان والقانون والذي عقد في جامعة برغهام يونغ في مدينة سالت ليك بولاية يوتا الأمريكية للفترة من 1-15 تشرين الأول 2009، حيث كانت أيام العمل للمؤتمر بين 4-7 منه.

 

شهادة المشاركة بالمؤتمر

 

      ألقى رئيس الديوان كلمة في المؤتمر والذي شارك فيه ممثلوا عن 43 دولة، وكان لكلمة ممثل العراق أثرا كبيرا لدى المشاركين وفيما يلي ادناه نص الكلمة:

 

المسيحية في الشرق وشفافية العلاقة مع الآخرين (الاسلام خصوصا)

تتواجد المسيحية في الشرق (منطقة الشرق الأوسط) منذ بدايات المسيحية الأولى، حيث كانت النواة في أرض فلسطين، ومن هناك انتقلت بواسطة رسل المسيح الحواريون إلى الدول المحيطة بها بواسطتهم أو بواسطة تلاميذ لهم، حيث يشير التقليد إلى أن توما الرسول أحد الاثني عشر وصل إلى الهند شرقا مرورا بالعراق!!! بحيث بُنيت أول كنيسة للمسيحيين في ضواحي بغداد (ساليق وقطيسفون) المنطقة المقابلة لطاق كسرى الحالية من الضفة الأخرى لدجلة، وكان اسمها (كوخى) التي تم إنشائها قبل انقضاء المائة الأولى للمسيح ولازالت أطلالها قائمة حتى يومنا هذا.

وعاش المسيحيون بتفاهم مشترك وتفاعل إيجابي مع الفتح الاسلامي بعد سبع قرون من انتشار المسيحية، ومن بقي على دينه منهم فكان عليه أن يدفع الجزية مقابل الخدمات والحماية التي كانت توفرها الدولة الاسلامية آنذاك، ومع مرور الوقت كانوا قد أسسوا لمكانة مهمة ومتميزة لهم في هرم المسؤولية في الدولة الاسلامية، فكان منهم طبيب الخليفة وعائلته، والقائمين على الترجمة وغيرهم الكثير من العاملين في بلاط الخليفة وبيت الحكمة ومكاتب الدولة المهمة الأخرى، بحيث كان بطريرك النصارى أحد جلساء خليفة المسلمين الدائميين، وكانت نتيجة هذا التواجد تدور نقاشات مطولة وكثيرة ومنها حول الأمور الإيمانية والمعتقد الديني المسيحي والاسلامي وكانت تغلب هذه الحوارات طابع التسامح والاستماع الحسن والهاديء من قبل الطرفين والقبول بالرأي والرأي الآخر وعدم فرض المعتقد الجديد (الاسلام) على المسيحيين طالما دفعوا الجزية واحترموا الديانة الجديدة، وهم ينطلقون بذلك من الآية القرآنية "لا أكراه في الدين ..." (سورة البقرة: 256)، وتلك التي تقول: "لكم دينكم ولي ديني..." (سورة الكافرون: 6)، أو "إن أكرمكم عند الله أتقاكم..." (سورة الحجرات : 13)، أو "إنما المؤمنون أخوة..." (سورة الحجرات:10)، وغير هذه الآيات الشيء الكثير، وفي الجهة المقابلة نجد ما يسهل على المسيحيين التعامل مع غيرهم، مثل الآيات الكتابية التي تدعو إلى محبة القريب وصولا حتى محبة الاعداء.

ومن جراء ذلك ولاخلاص المسيحيين في الأعمال التي يُكلفون بها ولعدم خيانتهم، كانت لهم المكانة المرموقة على مرّ التاريخ وعلى الخصوص في العراق، ولم يسجل التاريخ أحداثا تذكر أضطهد بها المسلمون في العراق المسيحيين، إنما الذي كان يحدث هو قيام الأجنبي الذي يحتل العراق كهولاكو وتيمورلنك والدولة الفارسية أو العثمانية بالتعرض على المسيحيين واضطهادهم حتى امتدت المجازر لعشرات السنين كما حدث في القرن الرابع أبان عهد شابور الثاني ملك الفرس.

 ولكن الجميع؛ مسلمين ومسيحيين هم على يقين بأن لغة الحوار هي الواجبة أن تسود في العلاقة ما بين الطرفين واحترام كل طرف للطرف الآخر وعدم المساس بمقدسات ومعتقدات الطرف الآخر وخاصة كون المسيحيون يؤمنون بمحبة القريب وبالمحبة عموما وصولا إلى محبة الأعداء كما نوهنا سابقا الأمر الذي لم يترك المجال للآخرين بأن يكون لهم حجة يضطهدوا بها المسيحيين أو يضايقوهم، ولدى المسلمون آيات وأحاديث توصي بالجار دون تحديد دينه او معتقده تجعل من المسلم أن يراعي حق الجيرة وصون ذلك أيا كان جاره (سورة النساء: 36)، والمسيحي في الدولة الاسلامية أبسط ما يمكننا قوله عنه هو جار للمسلم يستحق التوصية به.

وبعد أن شهد العالم الحربين العالميتين الأولى والثانية واستقرار المنطقة على حدود جغرافية معينة تضمنتها المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان وغيرها من المواثيق التي تنظم العلاقة ما بين الدولة والشعب الذي فيها وما بين الأفراد والجماعات واستقرار المسيحية في شكلها الموجود حاليا في البلدان المعروفة ومنها العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر و... وتشكيلها للمرجعيات الدينية التي تنتمي إلى المذاهب العالمية الرئيسية التي هي: الكاثوليك ... الأرثذوكس ... البروتستانت، بالإضافة لكنائس المشرق الآثورية والتي يُطلق عليها (الكنائس النسطورية) والتي هي بالأصل فرقة أرثذوكسية.

وكان لقيادات هذه الكنائس الدور الواضح بإيجاد السبيل المشترك للتفاهم مع المسلمين خصوصا وغيرهم عامة، هذا التفاهم والتضامن في القضايا المشتركة التي تهم البلد والمصير المشترك، الأمر الذي جعل من الروابط بين المسيحيين وغيرهم قوية ومبنية على الاحترام المتبادل رغم الثوابت الاسلامية التي لا يمكن القفز عليها أو تغييرها لاعتقاد المسلمين بأن النبي محمد هو خاتم الأنبياء وإن الاسلام هو الدين الأكمل الذي لا يمكن للإنسان الخروج عليه والتحول منه للديانات الأخرى لأنه يصبح مرتدا ويستوجب القصاص الذي يفرضه الشرع عليه.

ومشكلة المسيحيين في البلدان الاسلامية ليست مع النصوص القرآنية بحد ذاتها رغم حدة بعضها وخصوصا الآيات المدنية منها مقارنة بالآيات المكية، لكن المشكلة هي مع الأصولية الاسلامية أو العلماء المجتهدين من المسلمين الذين يجتهدون في التفسير وأعطاء النص المعنى الذي ربما لا يكون المعنى الذي أرادته الآية القرآنية هو هذا، وهؤلاء إن أصابوا فتكون الأمور سائرة بالطريق الصحيح والإيجابي الجيد مع غيرهم وإن تعصّبوا نجد العلاقة تتدهور وتنحدر ويحدث الاضطهاد هنا وهناك.

ونلمس وجود فهم ضيق لمعنى الإسلام لدى عامة المسلمين بحيث يقتصر فهم المسلم لإسلامه على أنه كل من نطق الشهادتين وآمن بالله والرسول واليوم الآخر وأمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، ونجد أمثلة في السور التالية (البقرة .. المائدة والتوبة) وغيرها كثير، لكن للإسلام معنيان آخران أكثر شمولية وهما: أن المسلم هو من سلم الناس من يده ولسانه، أو ان المسلم هو من أسلم نفسه لله، وعلى ضوء هذا المعنى الأخير يقول المسلمون أن أبينا أبراهيم هو أول المسلمين مع أنه لم ينطق بالشهادتين، وعلى ضوء ذلك يكون كل من على شاكلة أبينا أبراهيم مسلما على طريقته الخاصة، وكذلك الذي لا يعتدي على غيره ويحترم حقوق الآخرين هو مسلم، لنجد الأفق واسعا أما الاسلام لكي يفتح ذراعيه أمام جميع الشعوب وبمختلف الأديان خصوصا تلك التي تؤمن بالإله الواحد كالمسيحيين ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (وصايا الله) ويؤمنون بالرسول (المسيح عيسى) الذي يؤمن به القرآن ويستوجب ان يؤمن به جميع المسلمين على ضوء ما جاء في القرآن.

وإننا كمسيحيين مشرقيين نتطلع إلى الحوار مع الآخرين انطلاقا من مبادئنا الإنجيلية القائلة: أحبوا بعضكم بعضا ... أحبب القريب كنفسك... أحبب لقريبك ما تحبه لنفسك ... صلوا من أجل مبغضيكم ... باركوا ولا تلعنوا وغيرها الكثير، ومن هذا المنطلق نحن نمد يد العون البيضاء للجميع كي نتعاون ونتحاور من أجل الوصول إلى العمل المثمر ومن أجل خير ومستقبل بلدنا، لأن المسيحية في نظرنا هي الطريق والحق والحياة وهي طريقاً للخلاص ولخير جميع البشرية.

لكن مستقبلنا في الشرق عرضة للخطر بسبب عدم استقرار المنطقة وتعرضها المستمر للقلاقل والحروب حيث أن النظام الاجتماعي المسيحي لا يعتمد ذات النظام القبلي العشائري الموجود لدى المسلمين والعرب منهم على وجه الخصوص حيث اعتاد المسيحيون العيش في ظل سلطة القانون؛ يحترمونه وهو يحميهم ويعملون ويعيشون. وازدهرت حياتهم من جراء ذلك وكانت الغالبية العظمى منهم تحمل مؤهلات علمية عالية وذات مدخولات مادية مجزية بحيث يمكن أن نعتبر أن معظم المسيحيين كانوا من الطبقة الوسطى في المجتمع وعدد لا بأس منهم كان يميل إلى طبقة الأغنياء وكان منهم الكثير الكثير من الأطباء المهرة والمهندسين ورجال القانون والعاملين بالتجارة وغيرهم ... كما كان للمسيحيين دورا هاما في تثبيت خارطة العراق بوضعها الحالي وخصوصا إزاء مشكلة الموصل مع تركيا العثمانية في بدايات القرن العشرين حيث كان لبطريرك الكلدان مار عمانوئيل الثاني آنذاك الكلمة الفصل في تقرير عصبة الأمم المتحدة بأن يكون لواء الموصل تابعا للعراق الحالي وكان ذلك في الربع الأول من القرن العشرين.

إن للمسيحيين في المشرق وبدعم من منضمات غربية أحيانا دورا كبيرا في المساهمة بالقضاء على الفقر والبؤس والمرض، وذلك من خلال فتح المستشفيات والمدارس والكليات العلمية التي قامت بتخريج أفواجا من أبناء العراق ولم يكونوا فقط من المسيحيين إنما كانت الأقلية منهم مسيحية والعدد الأعظم هو من المسلمين وبعض خريجي تلك المدارس والمعاهد هم في هرم السلطة حاليا. كما أن المستشفيات المسيحية التي تدار من قبل رهبانيات مختلفة بقيت تعمل في العراق رغم كل الظروف الصعبة التي شهدها هذا البلد خصوصا في الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988 وبعدها حرب الكويت 1991 والحصار العالمي على العراق، بحيث أصبحت تلك المستشفيات الملاذ الأحسن في توفير العلاج للآخرين دون النظر إلى هويتهم الدينية، كما كان لأخوية المحبة (الكاريتاس) الدور المشهود له في أبداء المساعدة للجميع دون تمييز، الأمر الذي عزز من مكانة المسيحية في قلوب أخوتهم المسلمين.

وإن المسيح قال: أنا جئت لكي تكون لهم الحياة... أي أن المسيحية لا تدعو مطلقا لمعاقبة الآخر حتى لو كان كافراً أو كارهاً أو حاقداً أو عدواً أو عاصياً لأوامر الله، لأن أمثال هؤلاء في نظر المسيحية هم أموات وهم بأمس الحاجة لتكون لهم الحياة حتى يتمكنوا يوما من رؤية الله ويحيوا معه، ومن هذا المنطلق فإن المسيحية في العراق فاتحة قلبها قبل كل شيء للآخرين لخلق حالة من الانسجام بغية التقدم معا في طريق الحق والحياة وهي لا تبتغي من ذلك سوى بركة الله أولا وبعدها رضى القريب والإنسان الذي يحيط بنا مهما كان لونه أو جنسه أو دينه أو مذهبه أو طائفته.

وكان للمسيحيين دورا ثقافيا بارزا بحيث أنهم أدخلوا أول مطبعة للكتب في نهايات القرن التاسع عشر وأصدروا أول مجلة رسمية (أكليل الورد) وكان للمسيحيين صالونات ثقافية واهتموا باللغة العربية وبرز منهم في العراق الأب أنستاس ماري الكرملي، وكان لهم المؤرخون والعلماء والآثاريون البارزون وشغل المسيحيون أبان العهد الملكي وزارة المالية بصورة شبه دائمة.

ويعتبر المسيحيون في العراق من سكانه الأصليون المنحدرون من أصول كلدانية .. بابلية .. آشورية .. سومرية .. وأكدية، ولهم لغتهم الخاصة المنبثقة من الآرامية التي هي السريانية الحالية بشقيها الشرقي والغربي، وهي لا زالت لغة الصلاة والشعائر الدينية وحتى لغة التخاطب في البلدات المسيحية البحتة، كما تعتبر اللغة التي كان المسيح له المجد يتكلم بها.

وأعطت المسيحية في العراق وعلى مدى قرون كثيرة ومنذ انطلاق البشرى بالمسيح قوافل كثيرة من الشهداء ولم يكن المطران بولس فرج رحو آخرهم حيث اشتدت الأزمة والهجمة على مسيحيي العراق بعد عملية التغيير التي حدثت في العراق خلال ربيع 2003 وما بعدها إلى يومنا هذا، حيث فجرت الكنائس وبأعداد كثيرة وعلى امتداد رقعة العراق وحيثما يتواجد المسيحيون، وهجّر المسيحيون من ديارهم وغصّت بهم بلدات كانت بالأصل هي بلداتهم في الموصل ودهوك وغيرها ولم يكتفي الإرهاب بذلك وإنما لحقهم هناك وقام بأعماله الشنيعة ضدهم وكان آخرها تهجير أكثر من ألفي عائلة من الموصل ذاتها، وتم قتل العديد من الكهنة والشمامسة وأفراد عاديون، بحيث أعطت كنيسة العراق أنهارا من الدم لكي تثبت وتتقوى جذورها فيه رغم كل النزيف الذي تحدثه الهجرة نحو دول الجوار والغرب إلا أن المسيحية باقية وتتفاعل وتعيش لكي تعطي شهادة حية وتعبر بصدق عن مبادئها المسيحية، كما كان لعمليات الخطف ودفع المبالغ من أجل الحرية أمرا آخر أستنفذ القدرات المالية للكثيرين بحيث أصبحت هذه جريمة تعاقب عليها جماعة الجريمة المنظمة بالخطف ودفع مبالغ طائلة مقابل الحرية والكثيرين كانوا ولا زالوا مجهولي المصير رغم دفع ذويهم لمبالغ كبيرة وينتابهم الخوف والقلق أن يكونوا قد قتلوا.

وليس هذا فقط وإنما شهد عام 2006 الذي تفاقم به العنف في مدن عدة ومنها بغداد العاصمة وفي مناطق محددة منها حملة شعواء ضد المسيحيين كانت بالتهديد والطلب منهم وخلال مهلة قصيرة إما الجزية أو الاسلام أو ترك كل شيء والذهاب بعيدا، كل هذا لكن المسيحية تبقى تنظر للمسلمين بأنهم يعبدون الله الواحد ويجتهدون بالخضوع لأحكام الله، ويوقرون المسيح يسوع كنبي ويكرمون أمه العذراء وينتظرون كالمسيحيين ليوم القيامة ويقيمون الصلاة ويدفعون الزكاة ويصومون رمضان، ويدعونه شهر الرحمة والغفران.

نأمل في ظل كل هذا أن تلتمس مسيحية الشرق طريقها نحو الثبات والبقاء والإرتكاز في أرض آبائهم وأجدادهم لكي يثمرون وينموا ويعطون الثمر الواحد ثلاثين وستين ومائة.

عبدالله النوفلي

رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى

      

 

 

الذهاب الى اعلى الصفحة

العودة للصفحة السابقة